ابن القيسراني

32

صفوة التصوف

ولما دخلت بغداد في رحلتي الثانية إليها ، قصدت الشيخ أبا محمد عبد اللّه بن محمد السكري ؛ لأقرأ عليه أحاديث ، وكان من جلال أصحاب أحمد رحمه اللّه ، ومن المنكرين على هذه الطائفة ، فأخذت في القراءة ، فقال : أيها الشيخ إنك لو كنت من هؤلاء الجهال الصوفية لعذرتك ، أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتسعى في طلبه . فقلت : أيها الشيخ وأي شيء أنكرت علي حتى أنظر ؟ فإن كان له أصل في الشريعة لزمته ، وإن لم يكن له أصل في الشريعة تركته ، فقال : هذه الشواذك التي في مرقعتك . فقلت : أيها الشيخ هذه أسماء بنت أبي بكر ، تخبر " أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج " . فالإنكار إنما وقع أن هذه الشواذك ليست من جنس الثوب ، والديباج ليس من جنس الجبة ، فاستدللنا بذلك على أن لهذا أصلا في الشرع يجوز مثله ، وسنذكر إسناد هذا الحديث مع ما يليق به في بابه إن شاء اللّه تعالى . ومثل هذا الشيخ في عالم اللّه من أهل الفقه والصلاح والورع كثير ، وكنت ذكرت هذه الحكاية لبعض المنكرين من أهل العلم ، فقال لي : إني سائلك عن شيء أنكرته فهل له في الشرع أصل ؟ قلت : وما هو ؟ قال : قولهم عند الأكل والاجتماع للأمر وغير ذلك : الصلاة ، وليس وقت صلاة . فقلت : هذا عبد اللّه بن عمر يخبر أنه كان مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره ، فنادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الصلاة جامعة . قال : فانتهيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسمعته يقول : " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما هو خير لها " . وذكر الحديث ، نذكره وإسناده في بابه إن شاء اللّه تعالى . وهذا في هذه المسألة نص ، وفي المسألة التي قبلها استنباط . فلما رأيت إنكار هذين الشيخين علمت أنهما لما سوى ذلك أشد نكرة ، فتتبعت كتب هذه الطائفة وتصانيفهم فلم أجد أحدا من مشايخنا صنف في هذه المعنى شيئا يليق بهذا الفن ، ووجدت الشيخ أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي رحمة اللّه عليه صنف كتابا وسماه سنن الصوفية ، إلا أنه في غير هذا المعنى الذي أشير إليه ، فاستخرت اللّه تعالى وصنفت هذا الكتاب على سبيل الاختصار ، يشتمل على سننهم التي ينفردون بها ، وينسبون إليها في حضرهم وسفرهم ، وأكلهم وشربهم ، ومحاوراتهم وألفاظهم ، ومعاشراتهم وآدابهم ، ونحو ذلك مما اشتهر بهم ، وإن كان غيرهم يستعمله ، إلا أنه بهم أشهر وإليهم ينسب ، فأتبعته ما يليق به من السنن في معناه ، وجعلته مرتبا على فصول أولها :